|
الأيقونة السورية حافظت على شرقيتها وأصالتها |
|
|
|
بقلم شذى محمد - شام لايف
|
|
Wednesday, 17 March 2010 |
فنٌ ينطلق من واقع الزمان والمكان لينقل معاني إلهية عميقة تتجسد في لوحات مجبولة بالعطاء ومشغولة بشغف وصدق بهدف إيصال رسالة إنسانية إلى العالم امتد تأثيرها منذ القدم وما زال إلى يومنا هذا. الأيقونة فنٌ قديم ظهرت في القرن () وارتبطت بالمسيحية وقد أخرجها من إطارها الديني العالم الأمريكي "ساندر سيتروس" ووضعها في إطار أخر وعرّفها "بالسيمياء" لأنها تحتوي على العديد من العلامات والإشارات، ويذهب بعض الباحثين إلى أنّ نشأتها كانت في سورية ولكن للأسف الغالبية العظمى من الناس لا يعرفون عنها شيء وقلائلٌ هم المشتغلون في هذا الفن المتفرد بخصوصيته، ولكن ما تزال الكنائس السورية على الرغم ممّا سُرق وأُتلف من الأيقونات التاريخية تحتفظ بكثير من الأعمال العظيمة، وللتعريف أكثر بالأيقونة التقت القنديل بعدد من المشتغلين والمهتمين بها و الحريصين على اقتناءها وكانت هذه السطور..
الأيقونة ....البداية كانت مع الفنانة "مارينا مقدسي" وهي فنانة تشكيلية و فنانة أيقونات تحدثت عن هذا الفن في إطار تجربتها وبدأت بتعريفها: هي كلمة يونانية معناها بالعربية الصورة أو الشبه وتعني باليونانية أيضاً "الكتابة المقدسة"، إذاً تجسيد للكتاب المقدس بالصور التي تحمل قصص من الإنجيل وأحداث من حياة السيد المسيح والقديسين، فالأيقونة تشكل مرحلة رمزية للاتصال بين المؤمن والله. هي فنٌ لهُ أسس وتقنيّة مُتعارف عليها ولكن ما يميز الأيقونة عن باقي الفنون التشكيلية "الإلوهية" و"الروحانية" وخصوصية المواد الداخلة فيها، لابد أن تكون مواد طبيعية حية تبدأ بالخشب الذي يجب أن يكون خشب جوز أو سنديان، صمغ حيواني مستخرج من عظم الأرانب ومعجونة معينة، والألوان الترابية المخلوطة بصفار البيض ولكن حالياً لا يتقيد الفنانين بذلك بالإضافة إلى ورق الذهب وهو مهم جداً وتؤسس عليه جميع الأيقونات وأخيراً تُغطّى الأيقونة بطبقة من زيت الكتّان الفخم حتى لا تتأكسد الألوان.
نافذة بين المؤمن والله...كما ذكرت الفنانة مارينا أنّ أهمية الأيقونة ليست بالتقنية المستخدمة فيها وإنمّا بقدرتها على إيصال فكرة معينة للمؤمن وأضافت: الإيحاء الموجود فيها هو سرّها بغض النظر عن المواد الداخلة فيها، هناك مقولة أنّ "الأيقونة هي كتاب الإنسان الأميّ" أي لابد أن تصل الفكرة عن طريقها بطريقة مبسّطة ومريحة، المؤمن الذي يقف أمام الأيقونة بخشوع يتوصل للروحانية بالنظر، والصلاة لا تتم للأيقونة بذاتها وإنمّا للأشخاص المجسّدين فيها كالسيد المسيح والسيدة العذراء عليهما السلام، الأيقونة نافذة نرى من خلالها ما لا يرى بالعين المجردة واقعياً.
قيمة الشرقية في روحانيتها..وعن الشروط الواجب توفرها بالأيقونة قالت (مارينا): البساطة، الابتعاد عن الزخارف والإبهار البصري من أهم شروط الأيقونة حتى لا يتشتت النظر، الشخصيات لا تشبه أحد أي لا تشبه الشخصيات الحقيقية وهذا ما يميز الأيقونة الشرقية عن الغربية، في الغربية يركّز الفنان على الناحية الجمّالية مثلاً يظهر السيد المسيح رجل جميل جداً وأشقر، الأيقونة السورية ظلّت متمسكة بالصرّامة ولم تهتم بالجمّالية إلى حد بعيد وطبعاً هذا يُعطي للأيقونة الشرقية قيمتها التي تكمن في روحانيتها وابتعادها عن الأمور المادية. في رسم الأيقونات نتبع نفس أسس وأساليب الفن البيزنطي التي تعتمد على الرمزية والبساطة والإيحاء كما نعتمد مبدأ تعتيق الصور وإدخال خامات معينة لإعطاء قِدم معين للوحة حتى تظهر الأيقونة وكأنها حقيقية.
دلالات الرموز والألوان فيها..أكدت الفنانة مارينا على أنّ الألوان المستخدمة في الأيقونة هي غالباً الألوان القوية أو الأساسية: فالأحمر القاني يرتديه السيد المسيح أو السيدة ويرمز للألم الإنساني والمعاناة الإنسانية ومحبة المسيح، الأزرق يرمز للمعرفة والإدراك، الأخضر يرمز للتجدد والعطاء الدائم والطبيعة البشرية، الذهبي تؤسس عليه جميع الأيقونات وهو يشير إلى الإلوهية المطلقة والأبدية والملك الذي لا يفنى، الأصفر يشير إلى النور الإلهي، الأبيض يرمز للطهارة والإتحاد بالله، الأسود يرمز للخطيئة والموت والمجهول، البني يرمز للاتصال بالأرض وأنّ آدم من تراب. "السمكة" و" الراعي" في الأيقونة رمز للسيد المسيح، "السفينة" رمز للكنيسة، "الحمل " رمز للرعية . وأضافت: فن الأيقونة له دراسة معينة وأصول ولابد أن يرتبط بالصلاة، عندما أرسم أيقونة قبل وضعها في الكنيسة يجب أن يكرسّها الخوري لتصبح مقدسة. إنّ من يرسم أيقونة جديدة يجب أن يعتمد على الكتاب المقدس وعلى أيقونات قديمة ليتمكن من ابتكار أيقونة جديدة، ولكن الآن رسّامين الأيقونات يعتمدون على النقل عن أيقونات قديمة فقط وتسمّى الأيقونات المنقولة ولذلك نجد أنّ الأيقونات واحدة في كل الكنائس ولا يوجد ابتكار لأيقونات جديدة.
فنانين الأيقونة مغمورين..؟!وحول فنانو الأيقونات قالت: الغرب يهتم جداً بهذا الفن ولكن نحن كشعب سوري ليس لدينا هذا الاهتمام علماً أنّ الأيقونة انطلقت من الشرق، وربمّا يعتبر فن كنسي ويقتصر الاهتمام به على الكنيسة، حتى معارض أيقونات قليلة جداً باستثناء التي تنظمها الكنائس كل فترة مثل كنيسة الصليب في دمشق، فنانين الأيقونة مغمورين أتمنى أن يظهروا وأن يُعلن عنهم ويأخذوا حقهم.
قيمة تذكارية..سئلنا فادي الراسي أحد بائعي الأيقونات حول قيمتها وكيف ينظر لمهنته فقال: إنّ الأيقونة عبارة عن ذكرى بالمسيح أو مريم العذراء أو أحد القديسين، وأنا أبيع أيقونات شرقية وغربية، الاختلاف بينهما يكون بالملامح حيث يتم إضافة تفاصيل شرقية، أمّا الأيقونات المرسومة أصولاً قليلة جداً فإما أن تكون منقولة أو مشغولة بتقنية الحرق على الخشب وهذا النوع مرغوب جداً. في البداية كنت أبيع إكسسوارات ومجوهرات تقليدية ثم تحولت إلى بيع الأيقونات حيث أغراني هذا الفن وأغرتني رمزية اللوحات، الأيقونة بالإضافة إلى دلالتها الدينية هي لوحات فنية جميلة المنظر، مشغولة بصدق ُبذل جهد فيها وتستحق الاقتناء. وأكدّ فادي أنه واسطة بين الفنان راسم الأيقونة والشخص المقتني ورفض مسمى "تاجر" لأن الأيقونة دين وكيف للإنسان أن يتاجر بدينه..؟؟ وأضاف: للأيقونة قيمة تذكارية غالباً يتم شراؤها لبيت جديد كنوع من المباركة للبيت أو ُتشترى كتذكار لشخص عزيز أو صديق أو مسافر، والسّياح يُقبلون على شرائها بشكل كبير ولكن إقبال أهل البلد أكبر.
جيلنا لا يعرفها..!!رامي المرتضى (مقتني أيقونات ) ذكر بأنه حريص على اقتناء الأيقونات وقال: أنا أشتريها من فترة إلى أخرى وباعتبار أنّ الأصلية نادرة فأشتري أيقونات عادية والنقطة الأهم التي لابد أن أذكرها أنني أقتنيها لمعناها الروحي والمعنوي فقط وليس المادي، ولكن لدى الكثير في مجتمعنا مفهوم مغلوط عن الأيقونة حيث يعتبرها البعض أصنام تتم عبادتها أو نوع من الوثنية، الأيقونة ليست وثن نعبدهُ بل هي وسيلة تذكّرنا بمن نكرّمهم ووسيلة اتصال بين المؤمن والله، بالإضافة إلى ذلك اقتناؤها ليس حكراً على دين دون أخر لديّ أصدقاء كُثر يتذوقون هذا الفن ويقبلون على شراء الأيقونات باعتبارها فن بغض النظر عن جانبها الديني. نحن جيل الشباب لا نعرف الكثير عنها وربما يُسأل أحدنا عنها فلن يعرف شيء لأنه في الوقت الحالي الاهتمام بها قليل ومقتصر على الكنيسة.
أخيراًفن الأيقونة أحد الفنون المهملة في حياتنا الثقافية والفنية، رغم أن لها تاريخ كبير في المنطقة العربية وخاصةً الشرق الأوسط مما يدعو للتساؤل عن السبب الذي دفع العدد من العاملين في هذا النوع من الفنون إلى هجرته والابتعاد عنه، وهذا ما يدعو إلى الاهتمام به بشكل اكبر ودعمه ليعود أحد الفنون المهمة على الساحة الثقافية خاصةً أنه يحمل إرثاً تاريخياً وروحانياً كبيراً.
|
|
آخر تحديث ( Wednesday, 17 March 2010 )
|